الشيخ الطوسي

405

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

ولأجل [ 1 ] ذلك يقال : قد بيّن اللَّه تعالى الأحكام ، والمراد بذلك أنّه دلّ عليها بأن نصب عليها الأدلَّة ، فكان بذلك في حكم المظهر لها ، فكما يقال لما قد ظهر بان ، فكذلك يقال للمدلول عليه قد بان ، ويوصف الدّال بأنّه مبيّن يعلم بصحّة تصرّفها في جميع المواضع أنّ المراد به ما قلناه ، وتجاوزوا ذلك إلى أن قالوا في الأمارات الَّتي تقتضي غلبة الظَّن إنّه بيان ، كما قالوا فيها إنّا أدلَّة على ضرب من المجاز . فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون البيان عبارة عن العلم الحادث الَّذي يتبيّن به الحكم دون الأدلَّة الَّتي لا يتبيّن بها الحكم ، ولأجل ذلك [ 2 ] لا يوصف اللَّه تعالى بأنّه متبيّن لما لم يكن له علم حادث ، ولا يقال في الواحد منّا فيما يعلمه ضرورة أنّه متبيّن له لما لم يكن علمه حادثا ، وإنّما يوصف بما يتجدّد له من العلوم الَّتي تحدث حالا بعد حال . قيل : لا يجوز أن يكون البيان عبارة عن العمل ، لأنّه لو كان كذلك لكان من فعل هذه العلوم يكون هو المبيّن ، كما أنّ الدّال يكون من فعل الدّلالة ، ونحن نعلم أنّا نصف اللَّه تعالى بأنّه قد بيّن لنا الأحكام فهو مبيّن كما يقول إنّه دلَّنا فهو دال ، ويسمّى الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أيضا بذلك ، قال اللَّه تعالى : لِتُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم ( 1 ) فجعله عليه السّلام المبيّن لنا الأحكام ، وعلى ما سأل السّائل كان يجب أن يكون نحن المبيّنين ، لأنّ العلوم الحادثة فينا هي من فعلنا [ 3 ] وذلك لا يقوله أحد ، فعلم بذلك أنّ الأولى ما قلناه . وأمّا التّبيّن فلا يقع إلَّا بالعلم على ما ذكره السّائل [ 4 ] ولأجل ذلك لم نصف اللَّه

--> ( 1 ) النّحل : 44 . . [ 1 ] هذا دليل آخر على كون البيان في العرف هو الأدلَّة ، وبيانه : أنّ صحّة تصاريف البيان في الدّليل وعدمها في غيره تدلّ على كونه حقيقة فيه مجازا في غيره . [ 2 ] أي لأجل كون التبيّن منقولا إلى العمل الحادث ، وهذا إشارة إلى منع دعوى المستدل في الدليل الثاني . [ 3 ] هذا مبنيّ على ما ذهبوا إليه من أنّ العلوم الكسبيّة فاعلها العباد ، والعلوم الضّروريّة فاعلها اللَّه تعالى . [ 4 ] يحتمل أن يكون متعلَّقا بالعمل فيكون المراد بما ذكره السّائل كون العمل حادثا ، ويحتمل أن يكون متعلقا بالحصر فالمراد بالعمل ، العلم الحادث .